ابن عجيبة
444
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
والمعنى : أن اللّه سمع مقالتهم الشنيعة ، وأنه سيعاقبهم عليها ، ولذلك قال : سَنَكْتُبُ ما قالُوا أي : سنسطرها عليهم في صحائف أعمالهم ، أو سنحفظها في علمنا ولا نهملها ، لأنها كلمة عظيمة ، فيها الكفر باللّه والاستهزاء بكتاب اللّه وتكذيب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولذلك نظمت مع قتلهم الأنبياء ، حيث عطفه عليه ، وفيه تنبيه على أن قولهم الشنيع ليس هو أول جريمة ارتكبوها ، وأن من اجترأ على قتل الأنبياء لم يستبعد أمثال هذا القول منه . ثم ذكر عقابهم ، فقال : وَنَقُولُ لهم يوم القيامة : ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ أي : المحرق ، والذوق : يطلق على إدراك المحسوسات كالمطعومات ، والمعنويات كما هنا ، وذكره هنا ؛ لأن عذابهم مرتب على قولهم الناشئ عن البخل ، والتهالك على المال ، وغالب حاجة الإنسان إليه ، لتحصيل المطاعم ، ومعظم بخله للخوف من فقده . ذلِكَ العذاب بسبب ما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ من قتل الأنبياء ، وقولكم هذا ، وسائر معاصيكم ، وعبّر بالأيدي ؛ لأن غالب الأعمال بهن ، وبأن اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ بل يجازى كلّ عبد بما كسب من خير أو شر ، فأنتم ظلمتم أنفسكم . ثم إن قوما منهم ، وهو كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيى بن أخطب وفنحاص ووهب بن يهوذا ، أتوا النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم فقالوا : يا محمد ؛ تزعم أن اللّه بعثك إلينا رسولا ، وإن اللّه قد عهد إلينا في التوراة ، ألّا نؤمن لرسول يزعم أنه نبي حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، فإن جئتنا به صدقناك ، فأنزل اللّه فيهم تكذيبا لهم : الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا في التوراة وأوصانا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ ؛ كصدقة أو نسيكة ، تَأْكُلُهُ النَّارُ كما كانت لأنبياء بني إسرائيل . وذلك أن القرابين والغنائم كانت حراما على بني إسرائيل ، وكانوا إذا قرّبوا قربانا ، أو غنموا غنيمة ، فتقبل منهم ، ولم يغل من الغنيمة ، نزلت نار بيضاء من السماء ، فتأكل ذلك القربان أو الغنيمة ، فيكون ذلك علامة على القبول ، وإذا لم يتقبل بقي على حاله ، وهذا من تعنتهم وأباطيلهم ، لأن أكل القربان لم يوجب الإيمان إلا لكونه معجزة ، وسائر المعجزات في ذلك سواء ، فلذلك ردّ عليهم بقوله : قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ أي : المعجزات الواضحات ، وَبِالَّذِي قُلْتُمْ من أكل النار القربان ، فكذبتموهم وقتلتموهم كزكريا ويحيى وغيرهما ، فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم أنه ما منعكم من الإيمان إلا عدم ظهور هذه المعجزة ، فما لكم لم تؤمنوا بمن جاء بها حتى قتلتموه ؟ واللّه تعالى أعلم . الإشارة : ما زالت خواص العامة مولعة بالإنكار على خواص الخاصة ، يسترقون السمع منهم ، إذا سمعوا كلمة لم يبلغها علمهم ، وفيها ما يوجب النقص من مرتبتهم ، حفظوها ، وحرفوها ، وأذاعوها ، يريدون بذلك إطفاء نورهم ،